الأربعاء، 18 يونيو 2014

رسالة من أحد العملاءوالممولين من الخارج

علاء الأسواني يكتب: رسالة من أحد العملاء

‏16 يونيو، 2014‏، الساعة ‏08:55 مساءً‏

                                                                                    ...الأستاذ الفاضل    


اعذرني لأني لا أريد أن أذكر اسمي .. أنا واحد من شباب الثورة الذين يسخر منهم الاعلام ليل نهار ويتهمهم بالخيبة والفشل .

أنا أرتدى بنطلون جينز ساقط وشعرى طويل ملموم لكننى لست فاشلا أو تافها انما التافه المتخلف هو من يقيس أقدار الناس بمستوى ارتفاع بنطلوناتهم .

أنا خريج كلية الاقتصاد القسم الانجليزي ( تقدير جيد جدا ) دفعة 2010 وأنا والحمدلله من أسرة ثرية أسكن في فيللا في الشيخ زايد . أبي معماري ناجح  ولديه مكتب هندسي في دولة خليجية وهو شريك أيضا في مكتب في لندن ..

بعد حصولي على الثانوية من الخليج التحقت بجامعة القاهرة واكتشفت مصر لأول مرة فحزنت لأوضاعها المتردية ، الفساد والقمع والفقر ،  قررت ألا أكون سلبيا و أحسست ان من واجبي أن أفعل شيئا لرفع المعاناة عن ملايين المصريين .  

انضممت الى حركة كفاية وبعدها الى الجمعية الوطنية للتغيير . اشتركت في كل الفعاليات والمظاهرات .تم القبض على وقضيت في الحبس عدة أيام أدركت خلالها ان الانسان المصري بلاحقوق فعلا وأن أصغر ضابط في أمن الدولة يستطيع أن يفعل بك ما يشاء حتى لو قتلك فلن يعاقبه أحد أبدا .

زادنى ذلك اصرارا على العمل الوطني وبرغم اعتراض أمي وقلق أبي ظللت اشترك في الاجتماعات والمظاهرات حتى قامت الثورة فعشت 18يوما في ميدان التحرير هم أجمل وأسعد أيام حياتي .

  واجهت الموت ورأيت بعيني ضباط شرطة مبارك وهم يقتلون زملائي .سقط بجواري مباشرة شهيد في يوم 28 يناير لن أنساه ابدا .شهدت موقعة الجمل ودافعت عن الثورة بكل قوتي ، رأيت البلطجية الذين استأجرهم فلول الحزب الوطنى وهم يمرون من بين خطوط الجيش فلا يعترضهم أحد باستثناء النقيب ماجد بولس ( أسد التحرير ) الذى صعب عليه أن يسلمنا للذبح فأطلق عدة أعيرة نارية لمنع البلطجية عنا .


لم أترك الثورة يوما واحدا  ..رأيت الموت بعيني في محمد محمود والعباسية ومجلس الوزراء وسقط شهداء كثيرون بالغاز والخرطوش والرصاص وكنت صديقا للشهيد مينا دانيال الذى قتلوه في مذبحة ماسبيرو .

ضاعت أعين زملاء لي وارتميت لأحمي بجسدي البنات عندما كان الجنود يجروهن من شعورهن ويسحلونهن على الأرض وتلقيت ضربا لازالت آثاره على ظهري .


في انتخابات الرئاسة أعطيت صوتي لخالد علي في الجولة الأولى وقاطعت في الجولة الثانية لأننى لا أثق في الاخوان فرفضت أن أنتخب مرسي وكان من المستحيل طبعا أن أنتخب شفيق الذى هو مبارك آخر .

ثم وصل الاخوان الى الحكم واشتركت في كل المظاهرات ضدهم ولم يختلف الأمر فالسلطة تقتلنا سواء باسم الاخوان أو باسم المجلس العسكري ..ثم اشتركت في 30 يونيو وخالفت زملائي الذين رفضوا التظاهر بجوار فلول نظام مبارك . كانت وجهة نظري انه بالرغم من وجود الفلول في الميادين الا ان التخلص من عصابة الاخوان واجب وطنى وثوري لايجب أن نتخلف عنه وقد أقنعت كثيرين ونزلنا نتظاهر أمام الاتحادية .


عندما قرر الجيش أن يساند الشعب في التخلص من الاخوان نزلت الى ميدان التحرير لتأييد الجيش .. كان رأيي انه بالرغم من المذابح التى يجب أن يحاكم المسئول عنها أيام المجلس العسكري الا ان الجيش المصري كمؤسسة وطنية واجبه أن يتدخل لحماية المصريين من الارهاب وواجبنا جميعا أن نسانده .


بعد سقوط الاخوان لاحظت ان اعلام الفلول قد شدد من حملته لتشويه الثورة وأحسست بالغيظ ، فكرت أن نظام مبارك قد استعملنا للتخلص من الاخوان ثم استدار ليجهز علينا ويشوه سمعتنا . تأكد ظنى عندما صدر قانون التظاهر واشتغلت ماكينة الاعلام الجبارة لتحشو عقول المصريين بالأكاذيب .


لايوجد بلد في العالم يعاقب من يتظاهر بغير اذن بالحبس الى مدد قد تصل الى 15 عاما كما حدث مع علاء عبد الفتاح وزملائه . 
في 25 يناير الماضى نظمت مع زملاء لي وقفة احتجاجية صامتة ورفعنا لافتات كتبنا عليها الثورة مستمرة . تم القبض علينا وقدمت لمحاكمة سريعة وحكم على بالسجن عامين وغرامة 50 الف جنيه .


لن احدثك عن الضرب والاهانات والتعذيب فما عليك الا أن تراجع تقارير المنظمات الحقوقية المصرية أو الدولية لتعرف ان القمع الآن أسوأ من أيام مبارك... أرجوك لا تعتمد على تقارير المجلس القومي لحقوق الانسان لسبب بسيط أن أعضاءه يستأذنون وزارة الداخلية قبل التفتيش على السجون . هل سمعت في الدنيا عن مفتش يستأذن من الجهة التى يفتش عليها ؟ا ألا يعطى ذلك فرصة ذهبية لادارة السجن حتى تخفى آثار التعذيب ..؟ .أنا الآن في أحد السجون( لن أذكره ) .


بمجرد خروجي من السجن سأهاجر من مصر التى يعلم الله كم أحببتها .سأتركها نهائيا ولن آتي اليها بعد ذلك الا في الاجازات . . اياك أن تظن أن السجن كسرني .

والله العظيم لو قضيت عشرين عاما في السجن ولو رأيت أضعاف ما تعرضت له من تعذيب لما هز ذلك ايماني بالثورة لحظة. لماذا أهاجر اذن ..؟ لاننى اكتشفت أننا جميعا كثوريين عشنا في وهم كبير عندما تخيلنا اننا ندافع عن الشعب .


الثوريون هم أنبل وأشجع من في هذا الشعب لكن أغلبية المصريين لا يحتاجون الينا فلا يجب أن نفرض أنفسنا عليهم. .. ألم تسمع بنفسك من يقول ان المصريين يحتاجون الى حاكم قوى حتى يشكمهم ..؟ بالمناسبة أنا مقتنع أن السيسي كان الحاكم الفعلي بعد 30 يونيو وأن قانون التظاهر صدر بأمر منه .


لا ألوم السيسي لأنه رجل عسكري من الطبيعي أن يضيق بمن يعارضه لأنه تعود على اصدار الأوامر وتنفيذها .  قال الكاتب الاميركي ناعوم تشومسكي " العسكريون جميعا ثقافتهم واحدة قائمة على فرض الأمر الواقع وتدمير الخصوم ." سأكون سعيدا لو أثبت السيسي انه مختلف عن وصف تشومسكي .

لست غاضبا من السيسي لكنى غاضب من هذا الشعب العجيب الذى قدمت الثورة من أجله آلاف الشهداء والمصابين حتى يحصل على حريته فاذا به في النهاية يصدق ان الثوريين عملاء وممولون من الخارج.. من فضلك لا تقل لي ان اعلام الفلول قام بتضليل الناس لأني سأسألك أليس لهؤلاء الناس أدمغة يفكرون بها ..؟

هل سمعت عن عملاء يستشهدون ويفقدون عيونهم من أجل الحرية ..؟ هل هذا جزاؤنا من الشعب الذى دافعنا عنه بدمائنا ..؟. عندما قبضوا على يوم 25 يناير ضربنى أفراد الشرطة بوحشية فلم أصرخ وتحملت الضرب بثبات . ثم قام بضعة رجال من المقهى المقابل وراحوا يصيحون في وجوهنا " ياخونة ياعملاء بعتم مصر بكام .؟." عندئذ فقط انهرت . انكسرت . بكيت لدرجة ان الجنود توقفوا عن ضربي ..

هؤلاء المواطنون الذين يتهمونني بالخيانة هم الذين اشتركت في الثورة حتى يعيشوا محترمين في بلادهم . يا دكتور علاء يجب أن نرى الحقيقة . لقد عشنا سنوات في الأوهام ــ وأنت معنا ــ عندما تعاملنا مع شعب افتراضى ليس هو الشعب المصري الحقيقي .

ان الثوريين يريدون تغييرا حقيقيا ، يريدون مصر عادلة حرة لكن بقية المصريين مختلفون عنا .

سأضرب لك مثلين :

بعد كتابة الدستور الجديد نزل المصريون بكل حماس ووافقوا عليه في الاستفتاء بأغلبية ساحقة ولم تمض أيام قليلة حتى بدأت الحكومة في انتهاك الدستور مرارا وتكرارا .  

قانون التظاهر وتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات وهتك أسرار الناس في التليفزيون عن طريق اذاعة تسجيلات شخصية والاعتقالات والتعذيب ..كل هذه انتهاكات فادحة فأين الذين رقصوا في الشوارع فرحا بالدستور ولماذا لم يعترضوا على انتهاكه ..؟! انهم في الواقع لايحتاجون الى دساتير وانما يتوقون الى حاكم قوى يشكمهم ..


المثل الثاني  عندما نزل الرئيس السيسي يقود دراجة وخلفه مئات الاشخاص في ماراثون للدراجات . الاعلام الكذاب راح يطبل ويزمر  للسيسي كالعادة لكنني قلت لنفسي لا بأس  ربما أراد ان يؤكد فائدة الرياضة أو أراد ان يطمئن السياح على الحالة الأمنية في مصر .

هذه أهداف مفهومة ومقبولة . لكننى فوجئت بأن السيسي يدعو المصريين الى الذهاب للعمل على الدراجة بدلا من السيارة من باب التقشف ..؟!.

ألم يفكر أحد من الشعب الذى ندافع عنه في ان  الرئيس السيسي اذا دعانا للتقشف عليه أن يبدأ بنفسه و يتخلص من أسطول السيارات المرسيدس الفارهة التابعة للرئاسة ..؟!

عليه أن يكتفى بقصر رئاسي واحد يمارس فيه عمله ويحيل عشرات القصور والاستراحات الرئاسية الأخرى الى فنادق ومتاحف تدر على الدولة ملايين الجنيهات ..

لماذا لم  يطالب أحد الرئيس السيسي بأن يطالع تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات ليعرف انه اذا ضم لميزانية الدولة  اموال الصناديق الخاصة المنهوبة واستغنى عن المستشارين الذين يتقاضون كل شهر ملايين الجنيهات ..

عندئذ  لن يحتاج المصريون لركوب الدراجات ولن تحتاج مصر للاقتراض أساسا ..نحن الذين نفكر في مثل هذه الأمور أما الشعب الحقيقي ( وليس الذى تخيلناه ) فهو متنازل مسبقا عن حقوقه مادام الحاكم "دكر" وقوي بمقدوره أن يشكمه ,.

هذا هو شعبنا الذى كدت أموت دفاعا عنه فاتهمنى بالخيانة .  فور خروجي من السجن لن أبقى يوما واحدا في بلد يتهم الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجله بالخيانة .  

لقد استطاع أبي أن يسجل اسمي كطالب ماجستير في مدرسة لندن للاقتصاد (وهي من أفضل  كليات الاقتصاد في العالم كما تعلم ). سأترك مصر حتى أعيش في بلد يحترم انسانيتي .

بلد يحكمه القانون لا أحبس فيه عامين لأننى حملت لافتة بطريقة سلمية في الشارع  . بلد لايتهم من ماتوا من أجله بأنهم بلطجية وعملاء . أيها المصريون أعتذر لأني فهمتكم خطأ..

أنتم لا تحتاجون الى الثورة ولم تفهموها ولا تستحقونها  . سأترك لكم هذا المستنقع الذى حاولنا تنظيفه من أجلكم  فاتهمتمونا بالعمالة والخيانة .

سأدرس في لندن وسأتفوق باذن الله وسأصل الى أفضل المناصب أما أنتم يامن تخونوننا وتلعنون ثورتنا فهنيئا لكم الاستقرار الممزوج بالقمع والذل ،

هنيئا لكم الفساد والمحسوبية والعدالة العرجاء والاعلام الذى تعد برامجه في أروقة أمن الدولة .

كتبت هذه الرسالة لأشرح لك موقفي وسواء  اتفقت أو اختلفت معي فان احترامي لك لا يتغير. 

تحياتي  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  تلقيت هذه الرسالة وسوف أرد عليها الأسبوع القادم باذن الله .أيها القراء الأعزاء اذا كان لديكم ردود على هذا الشاب برجاء التفضل بارسالها..                                                                                                        الديمقراطية هي الحل

 العنوان  الإليكتروني      

الاثنين، 26 مايو 2014

مدة قصر الصلاة في السفر

مدة قصر الصلاة في السفر

سؤال : 
قرأت في بعض الساحات التي لا تنتمي لأهل السنة والجماعة الخلاصة التالية حول موضوع الصلاة في السفر... وقد طلب مني أحد الإخوة بيان رأي أهل السنة والجماعة في هذه المسألة..
وقد قال الباحث في خلاصته:
يدل ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الثابتة على بقاء حكم قصر الصلاة في السفر مهما كانت مدة المكث ، إذ الأصل الأخذ بالعام على عمومه والمطلق على إطلاقه ما لم يرد دليل صالح للاستدلال يخصص ذلك العموم أو يقيد ذلك الإطلاق ، ولم يأت القائلون بخلاف هذا القول بما يصلح للحُجة وينهض للاستدلال ؛ عدى بعض الأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وبعض الأدلة التي لا تدل على الموضوع لا من بعيد ولا من قريب. هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

الجواب :
أما السؤال الذي أوردته أقول :
هذه المسألة - وهي مدة قصر الصلاة في السفر - اختلف فيها أهل العلم على أقوال كثيرة تصل إلى أكثر من عشرين قولا وسأذكر أهمها :

1) إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يتم الصلاة .
وهذا مذهب الحنابلة .
واستدلوا بحديث جابر - رضي الله عنهما - : أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة مهلين بالحج ....
 
رواه البخاري (2505) ومسلم (1216) .

قال الشيخ ابن عثيمين في رسالة قصر الصلاة (ص50) في رد هذا القول :
أما وجه منعهما شرعا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في حجة الوداع عشرة أيام ... وأقام بها في غزوة الفتح تسعة عشر يوما ، وأقام بتبوك عشرين وكان يقصر الصلاة مع هذه الإقامات المختلفة .
وأما وجه منعها عرفا : فإن الناس يقولون في الحاج إنه مسافر ، وإن كان قد سافر أول ذي الحجة ، ويقولون للمسافر للدراسة إنه مسافر للدراسة في الخارج ، ونحو ذلك .ا.هـ.

2) إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر فإنه يلزمه الإتمام لكن لا يحسب منها يوم الدخول ويوم الخروج .
وهذا مذهب الشافعية والمالكية .
واستدلوا بأنه مروي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - .

3) إذا نوى الإقامة أكثر من خمسة عشر يوما أتم وإذا نوى دونها قصر .
وهذا مذهب الحنفية ، وهو قول الثوري والمزني .
واستدلوا بما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا : إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة .

4) أنه يقصر ما لم ينو الاستيطان أو الإقامة المطلقة .
وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن صالح العثيمين .
ودليلهم في ذلك :
- إطلاق الأدلة كقوله تعالى : " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " .
 
قال الشيخ محمد العثيمين في الشرح الممتع (4/533) :
فقوله تعالى : " إذا ضربتم في الأرض " عام يشمل كل ضارب ، ومن المعلوم أن الضرب في الأرض أحيانا يحتاج إلى مدة .ا.هـ.
 

- حديث أنس - رضي الله عنه - قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع إلى المدينة . متفق عليه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على القائلين بالتحديد (24/137) :
وأيضا فمن جعل للمقام حدا من الأيام : إما ثلاثة ، وإما أربعة ، وإما عشرة ، وإما اثني عشر ، وإما خمسة عشر فإنه قال قولا لا دليل عليه .ا.هـ.
 

والله أعلم .
-------------------------------------
مجرد مشاركة من مجرد إنسان

المسافرون لهم ثلاث حالات :
الأولى : أن ينووا الإقامة المطلقة في بلاد الغربة كالعمال المقيمين للعمل ، والتجار المقيمين للتجارة ، ونحوهم ممن عزم على الإقامة إلا لسبب يقتضي نزوحهم ، فهؤلاء حكمهم حكم المستوطنين من وجوب الصوم وإتمام الصلاة وغير ذلك .

الثانية : أن ينووا إقامة لغرض معين غير مقيدة بزمن ، فمتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم كمن قدم لمراجعة دائرة حكومية ، أو لبيع سلعة أو شرائها ، فهؤلاء حكمهم حكم المسافرين على المذهب ، وحكاه ابن المنذر إجماعا ، لكن لو ظن هؤلاء أن غرضهم لا ينتهي إلا بعد أربعة أيام ففيه خلاف سيأتي في الحالة الثالثة .

الثالثة : أن ينووا إقامة لغرض معين مقيدة بزمن ، متى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم ، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال : 
القول الأول : أنه إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فيلزمه الإتمام ، وهذا مذهب الحنابلة ، واستدلوا على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد الرابع من ذي الحجة ، وأقام فيها الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء ، وخرج يوم الخميس إلى منى ، فأقام بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة [ خ ، م ] فيؤخذ من هذا أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فإنه يقصر لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والجواب عن هذا أن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة أيام وقعت اتفاقا لا قصدا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن من الناس من قدم قبله بيوم وبيومين ، بل من الناس من جاء من شهر ذي القعدة بل من شوال ، ولم يأمرهم بالإتمام .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب عن الدليل السابق [ الفتاوى 24 / 140 ] :" وهذا الدليل مبني على أنه إذا قدم المصر فقد خرج عن حد السفر ، وهو ممنوع ، بل مخالف للنص والإجماع والعرف "
 

قال شيخنا في رسالة قصر الصلاة :" أما وجه منعه شرعا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة في عام الفتح عشرة أيام .... وأقام بها في غزوة الفتح تسعة عشر يوما ، وأقام بتبوك عشرين وكان يقصر الصلاة مع هذه الإقامات المختلفة ، وأما وجه منعه عرفا فإن الناس يقولون في الحاج إنه مسافر ، وإن كان قد سافر أول ذي الحجة ، ويقولون للمسافر للدراسة إنه مسافر للدراسة في الخارج ونحو ذلك " ا.هـ

ثم الحنابلة يقولون إنه يصير مقيما ، فعندهم الناس ثلاثة أقسام : مسافر ومقيم ومستوطن ، وهذا الذي صار مقيما له حكم المستوطن في كل شيء إلا في الجمعة ، فإنه تلزمه الجمعة لكن لا يكون فيها إماما ولا خطيبا ولا يتم به العدد ، فصار مسافرا من وجه ومستوطنا من وجه ، وهذا التقسيم ليس عليه دليل ، وهو أيضا متناقض ، إذا كيف يكون الإنسان مستوطنا من وجه ومسافرا من وجه آخر ، والراجح أن الناس قسمان ، مسافر ومستوطن ، وإن شئت فقل : مسافر ومقيم هذا هو الذي تقتضيه الأدلة ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [ الفتاوى 24 / 137 ، 184 ] .

القول الثاني : أنه إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر فإنه يلزمه الإتمام ، لكن لا يحسب منها يوم الدخول ويوم الخروج ، وعلى هذا فتكون الأيام ستة ، وهذا مذهب الشافعية وقال به مالك وهو رواية عن أحمد حكاها صاحب الإنصاف ، واستدلوا بأدلة منها :
1- حديث العلاء بن الحضرمي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ) [ م 1352 ] ، قال النووي في شرح مسلم :" معنى الحديث : أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها ، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة ، واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة ، بل صاحبها في حكم المسافر ، قالوا : فإذا نوى المسافر الإقامة في بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج جاز له الترخيص برخص السفر من القصر والفطر وغيرهما من رخصه ، ولا يصير له حكم المقيم "

والحق أن الحديث حجة عليهم لأنه إذا جاز لهم أن يقصروا في سفرهم هذا ، فهم في الحقيقة لم يجلسوا ثلاثة أيام فقط ، بل هذه الثلاثة بعد إتمام الحج ، وربما هم قد جلسوا في حجهم أسبوعا أو نحو ذلك ، فكيف يؤخذ من هذا التحديد بأربعة أيام أو ثلاثة .

2- أن هذا مروي عن عثمان - رضي الله عنه - 

القول الثالث : إذا نوى الإقامة أكثر من خمسة عشر يوما أتم ، وهذا مذهب أبي حنيفة وهو قول الثوري والمزني ، واستدلوا بما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهما قالا :" إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة " رواه الطحاوي .

وهناك مذاهب أخرى لأفراد الصحابة والتابعين ، فمذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - أن إذا نوى الإقامة تسعة عشر يوما قصر ، وما زاد فإنه لا يقصر ، وقد صرح - رضي الله عنه - بهذا في حديث رواه البخاري عنه أنه قال :" أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا " [ خ 1080 ] ، ومذهب الأوزاعي أنه إذا نوى الإقامة ثلاثة عشر يوما أتم وإن نوى أقل من ذلك قصر ، وعن ربيعة : يوم وليلة ، وعن الحسن البصري : أن المسافر يصير مقيما بدخول البلد ، والأقوال في هذه المسألة تزيد على العشرين .

والقول الراجح هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو اختيار ابن القيم والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، والشيخ عبد الرحمن السعدي ، والشيخ محمد رشيد رضا ، وشيخنا ، وهو أنهم مسافرون ، ما لم ينووا الاستيطان أو الإقامة المطلقة ، واستدلوا على لك بما يلي : 

1- إطلاق الأدلة كقوله تعالى { وإذا ضربتم في الأرض } وهذا عام يشمل جميع الضاربين من أطال من هم ومن قصر .

2- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة [ حم 13726 ، د 1235 ، حب 4 / 184 ، هق 3 / 152 ، قال أبو داود غير معمر لا يسنده ، ورده النووي في الخلاصة كما نقله الزيلعي في نصب الراية 2 / 186:" هو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم ، لا يقدح فيه تفرد معمر فإنه ثقة حافظ فزيادته مقبولة " وقال الحافظ في التلخيص 2 / 45 :" ... ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث معمر ، وصححه ابن حزم والنووي ..... " ، والحديث صححه الألباني ] قال شيخ الإسلام في الفتاوى [ 24 / 136 ] :" ومعلوم بالعادة أن مما يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا اربعة ، حتى إنه كان يقول : اليوم أسافر ، غدا أسافر " 

3- أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة [ خ 1080 ، 4298 ] 

4- عن أبي جمرة نصر بن عمران قال : قلت لابن عباس : إنا نطيل المقام بخراسان فكيف ترى ؟ قال :" صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين " رواه ابن أبي شيبة .

5- أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول [ هق 3 / 152 ، وأخرجه عبد الرزاق 2 / 533 ، والأثر صححه ابن الملقن ، وقال ابن حجر في الدراية 1 / 212 :" إسناده صحيح " ، وقال النووي معلقا على سند البيهقي : وهذا سند على شرط الشيخين ، انظر التلخيص الحبير 2 / 47 ، نصب الراية 2 / 185 ] 

6- وروى البيهقي [ 3 / 152 ] أن أنسا أقام بالشام يقصر سنتين .

7- وروى البيهقي كذلك عن أنس أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة .

ثم نقول : من نوى الإقامة ستا وتسعين ساعة فله أن يقصر على مذهب الحنابلة ، ومن نوى الإقامة ستا وتسعين ساعة وعشر دقائق فليس له أن يقصر ، لأن الأول مسافر والثاني مقيم ، فأين هذا التقسيم في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .